نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات

منذ يوم   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.
في ساعات الفجر الأولى، وفي لحظةٍ كان الليل فيها ينسحب بهدوء، رحل نزار بنات.
رحل الرجل الذي اختار أن يسير في طريقٍ مزروعٍ بالأشواك، وأن يقول ما يؤمن به مهما كان الثمن. رحل جسداً، لكن اسمه بقي حاضراً في الذاكرة، وبقيت كلماته تتردد في آذان من عرفوه ومن اختلفوا معه على حدّ سواء.
كان نزار بنات حاضراً في المشهد العام بصوته المباشر وحديثه الذي لم يعرف المجاملة. لم يكن يحتاج إلى منصات معقدة أو أدوات إعلامية كبيرة، بل كان يظهر عبر هاتفه ليخاطب الناس بلغة قريبة منهم، كما هي، بلا تزيين أو وسيط.
فقط رجل، وهاتف، وكلمة.
في ظهوره المتكرر، كان يقدّم مواقفه بوضوح حاد، ويثير نقاشاً واسعاً حول ما يطرحه من قضايا سياسية واجتماعية. لم يكن خطابه يمرّ دون جدل، لكنه كان حاضراً بقوة لا يمكن تجاهلها.
وحين كان يغضب من واقعٍ يراه يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، كان يردد كلمته الشهيرة؛ «مشيها». لم يكن يقولها استسلاماً، بل بسخريةٍ موجوعة تختصر حجم العبث الذي كان يراه، وتعكس طريقته في التعليق على ما يعتبره خللاً في المشهد العام.
لم يكن بعيداً عن الناس في خطابه، بل كان يرى نفسه جزءاً منهم، ينقل ما يعتبره أسئلتهم ووجعهم وغضبهم، دون أن يفصل نفسه عن هذا السياق.
كان يدرك أن الطريق الذي اختاره ليس سهلاً، وأن التعبير المباشر عن المواقف قد يجرّ معه ضغوطاً ومخاطر، لكنه ظل ثابتاً على ما يقول، غير متراجع عمّا يراه حقاً، ومتمسكاً بنبرة لا تعرف المساومة.
في فجر رحيله، انقطع الصوت الذي اعتاد أن يظهر من خلف شاشة هاتف بسيط، يتحدث بلهجة الناس وينقل ما يراه كما هو.
رحل نزار بنات متمسكاً بقناعاته حتى اللحظة الأخيرة، تاركاً خلفه كلماتٍ وأسئلةً بقيت حاضرةً بعد غيابه.
وكأن رسالته الأخيرة كانت تقول إنه غادر متمسكاً بما آمن به، مؤمناً بأنه لم يساوم على مبدأ، ولم يتخلَّ عن حقه في قول ما يعتقده صواباً، وأن الدفاع عن الكرامة والعدالة لم يكن بالنسبة إليه موقفاً عابراً، بل خياراً حمله حتى النهاية.
لهذا، لم يكن رحيله نهاية الحكاية.
فالأجساد ترحل، أما الكلمات الصادقة فتبقى.
ولهذا أيضاً، فإن نزار بنات، الذي غاب جسداً، ما زال حاضراً بمواقفه وأسئلته التي لم تجد جواباً بعد.
كانوا يظنون أن إسكات الصوت ينهي الحكاية.
لكن ذلك الصوت تحوّل إلى ذاكرة، وتحولت كلماته إلى أسئلةٍ ما زالت تبحث عن إجابات.
لذلك، لم يكن ذلك الفجر نهاية الحكاية، بل بداية حضورٍ آخر بقي في الذاكرة، وأسئلةٍ لم تجد جوابها بعد.
أما الهاتف الذي كان يحمله كل مساء، فقد صمت وغاب صاحبه.
لكن الأسئلة التي خرجت منه ما زالت تتكلم.

مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف

في الأوطان التي تُحترم فيها العدالة، يبقى القاضي حارساً للحق، ويبقى الإنسان مصان الكرامة مهما اختلفت آراؤه. لكن المأساة الكبرى تبد… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون